سيناريوهات نهاية الزمان

كيف تُهيمن النبوءات القديمة على فن الحكم الحديث؟

لو قُدر لك دخول جلسة إيجاز داخل أروقة “البنتاغون” أو وزارة الخارجية في طهران اليوم، لبدت لك الأجواء في ظاهرها انتصاراً لعقلانية عصر التنوير؛ حيث تنتشر الخرائط الرقمية، وتُبث لقطات الطائرات المسيرة في وقتها الحقيقي، ومفرداتٌ زاخرةٌ بمصطلحات “الواقعية السياسية” العلمانية، من قبيل التصعيد غير المتكافئ، والعتبات النووية، والعمق الاستراتيجي.

نحن نهوى إقناع أنفسنا بأن العالم يُدار من قبل فاعلين عقلانيين يخوضون لعبة شطرنج عالية المخاطر وفقاً لقواعد “ويستفاليا” للقوة والأمن، ولكن ماذا يحدث حين يقرر اللاعبون أن رقعة الشطرنج نفسها على وشك الانهيار؟

تحت تلك القشرة الصقيلة البراقة والشفافة لفن الحكم الحديث، بدأت مجموعة من المحركات الأكثر قدماً وتقلباً في فرض نفسها من جديد؛ فنحن نشهد عودة “المقدس” إلى حياض “السيف”. ومع اشتداد التوتر بين الغرب وإيران، نجد أن الاستخبارات الأكثر خطورة لا تأتي من الأقمار الصناعية، بل من وثائق مضى عليها قرون من الزمن. لم يعد صنّاع القرار يكتفون بمجرد إدارة أزمة ما، بل يتنافسون على أدوار في نص مكتوب سلفاً لنهاية العالم.

قشرة العلمانية

على مدى عقود، ركز المجتمع التحليلي على المتغيرات الملموسة، مثل نسبة تخصيب اليورانيوم، أو الخدمات اللوجستية للشحن في مضيق هرمز، أو أحدث حزمة من العقوبات. وافترضنا أنه حتى لو اشتد وطيس الخطاب، فإن المنطق الكامن يظل متمحوراً حول البقاء.

غير أن هذا التركيز الضيق يخاطر بإغفال تحول عميق في الدوافع؛ إذ إننا ننتقل إلى عصر ما يمكن أن نسميه “علاوة نهاية الزمان”، وهي طبقة إضافية من التقلب حيث لا يُفسر الاحتكاك الجيوسياسي بوصفه مشكلة تُحل، بل كنبؤة يجب أن تتحقق.

ففي كل من واشنطن وطهران، بدأت شريحة متنامية من المؤسستين السياسية والعسكرية في النظر إلى عدم الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال منظور أخروي. و لا يقتصر الأمر على “النفوذ الديني” بمعناه العام، بل يتعداه إلى رؤية أخروية محددة، أشبه بصورة معكوسة؛ فمن جهة، يرى تيار من الصهيونية المسيحية الأمريكية أن الصراع الإقليمي هو المقدمة الضرورية لمعركة “ارمجدون”، ومن جهة أخرى، ترى الأخرويات الشيعية والسنية أن هذه الأحداث نفسها هي بداية “الملاحم الكبرى”.

وعندما يبدأ طرفا الصراع في التعامل مع النبوءات القديمة بوصفها خارطة طريق تكتيكية، تتبخر المساحة المتاحة للدبلوماسية التقليدية. دعونا نتأمل كيف تُكتب هذه النصوص فعلياً في صلب السياسات.

النص الغربي: جيوسياسة ارمجدون

في الولايات المتحدة، انتقل تأثير لاهوت “التدبير الإلهي”، وهو الاعتقاد بأن التاريخ ينقسم إلى عصور مقدرة إلهياً، من الهوامش إلى مركز الثقل. وبالنسبة لجزء كبير من الناخبين، وبشكل متزايد لأولئك الذين يمسكون بشفرات الأسلحة النووية، فإن دولة إسرائيل الحديثة ليست مجرد حليف استراتيجي، بل هي “الساعة النبوية” الأساسية للعالم، وقد بدأ جرس إنذارها بالرنين.

وفي هذا السياق السردي، لا تُعد إيران مجرد منافس إقليمي، بل هي “بلاد فارس”، العضو القيادي في تحالف “يأجوج ومأجوج” الموصوف في سفر حزقيال. وتقول النبوءة إن هذا التحالف سيقود هجوماً على إسرائيل في “الأيام الأخيرة”، ليتم تدميره بتدخل إلهي.

ومع بداية عام 2026، بدأنا نرى هذا الخطاب ينتقل من فوق المنابر إلى أروقة البنتاغون؛ حيث فصلت تقارير مؤسسة الحرية الدينية العسكرية مئات الشكاوى المقدمة من أفراد الخدمة الأمريكية، الذين يزعمون أن القادة يصورون الصراع المحتمل مع إيران كحرب “مباركة دينياً”.

إن الهدف هنا ليس “سلاماً تفاوضياً”، ففي الخيال الملاحمي، يتمثل الهدف الأسمى في المجيء الثاني للمسيح، ليس كشخصية “يسوع الأناجيل” الذي يبشر بالصفح، بل كـ “ملك محارب” فاتح يبيد قوى المسيح الدجال. وعندما تصف شخصيات رفيعة، مثل رئيس مجلس النواب مايك جونسون أو وزير الدفاع بيت هيغسيث، النظام الإيراني بأنه “دين ضال” يقع خارج نطاق التفاوض العلماني، فإنهم يعلنون بذلك أن الصراع قد خرج من نطاق فن الحكم ودخل في نطاق “الحرب المقدسة”.

الصورة المرآوية المعكوسة: المهدي ومحور المقاومة

إذا قلبنا المنظور، فسنجد بنية اعتقادية مشابهة بشكل لافت. وبينما يركز المراقبون الغربيون غالباً على الأيديولوجية الثورية العلمانية لعام 1979، يظل دور “المهدوية” ركيزة أساسية في الرؤية الاستراتيجية الإيرانية و”محور مقاومتها”. ومع ذلك، فهذه ليست ظاهرة شيعية بحتة؛ بل هي متجذرة في علم آخر الزمان الإسلامي الأوسع الذي تم صقله على مدى ألف عام

ففي الأخرويات علم آخر الزمان الشيعية، ينتظر العالم عودة المهدي، الإمام الثاني عشر الغائب منذ القرن التاسع، وتقول النبوءة إن عودته ستكون في ذروة الظلم العالمي. وفي هذا السياق، تُصوّر “القوى المستكبرة” (الولايات المتحدة وحلفاؤها) على أنها المقدمة لظهور “الدجال”. وبالتالي، يُصوَّر “محور المقاومة” الإيراني كطليعة تمهد الأرض لعودة الإمام. 

وتكمن مفارقة عميقة في حقيقة أن الشخصية التي ينتظرها كلا الجانبين هي الرجل نفسه: عيسى (المسيح) عليه السلام، إلا أن دوره في هذا العالم الموازي يختلف اختلافًا جذريًا. ففي النبوءة الإسلامية، لا يعود عيسى للتوسط، بل لينضم إلى المهدي في دمشق، “ليكسر الصليب” ويضمن الهزيمة الكاملة لمن حرّفوا، وفقًا لهذا الرأي، رسالته التوحيدية الأصلية

وهكذا، نجد أنفسنا أمام موقف ينتظر فيه الطرفان عودة الشخصية التاريخية نفسها لتأييد رؤاهما المتناقضة للعالم. وكلا النظامين مبنيان على رؤية خطية للتاريخ، تبدأ من الخلق وصولاً إلى نهاية محددة مدبرة إلهياً. ولأن هذه السرديات تشترك في جوهر الأديان الإبراهيمية نفسه، فهي متوافقة تماماً مع بعضها البعض؛ إذ تُفهم أفعال كل طرف فوراً من قبل الطرف الآخر بوصفها “علامات” من نبوءته الخاصة، مما يخلق عزلة محكمة حول الصراع.

شجرة واحدة وفرعان: الأصول المشتركة

لفهم سبب توافق هذه السرديات، يجب فحص الركيزة الدينية المشتركة للتوحيد الإبراهيمي؛ فاليهودية والمسيحية والإسلام تشترك جميعها في رؤية خطية للتاريخ. وعلى عكس الفلسفات الشرقية الدائرية، فإن للتاريخ في هذه الأديان بداية محددة (الخلق)، ووسطاً (الوحي عبر الأنبياء)، ونهاية مقدرة (يوم الحساب).

بدأ الأمر مع الأنبياء اليهود وتصورهم لـ “يوم الرب” الذي سيصلح حال العالم في النهاية، ثم طورت المسيحية هذه الرؤية إلى مواجهة كونية في “ارمجدون”، وهي معركة نهائية تتطلب تحويل الواقع نفسه. وبحلول القرن السابع، تبنى الإسلام هذه البنية، لكنه أعاد صياغة الأدوار لتناسب الصراعات الجيوسياسية المبكرة بين الإمبراطوريات الإسلامية و”الروم” (البيزنطيين). ولم تكتفِ كل نسخة بوراثة الرهبة و الخوف فحسب، بل صقلته مما خلق نظاماً متدرجاً من التوقعات الملاحمية الكارثية التي لا نزال نتسلق درجاتها اليوم.

وهذا القاسم المشترك هو تحديداً ما يجعل الوضع الجيوسياسي الحالي متقلباً للغاية؛ فلأن السرديات تشترك في الحمض النووي نفسه، فهي متطابقة تماماً، وتُفسر أفعال كل طرف لدى الآخر كإشارات سماوية و اعتبارها “علامات” من نبوءتها.

من “انتظار” النبوءة إلى “تنفيذها”

إن الخطر الرئيسي في لحظتنا الراهنة يكمن في الانتقال من “انتظار” النبوءة إلى “تنفيذها” أو تفعيلها. تاريخياً، كانت الجماعات الدينية تنتظر تدخل الإله، أما اليوم، فنحن نشهد اندماج النصوص القديمة مع القوة العسكرية الحديثة. ويؤدي هذا “التنفيذ” إلى عدة إخفاقات بنيوية في كيفية إدارة الاستقرار العالمي:

  • موت الدبلوماسية: الدبلوماسية لعبة دنيوية تقوم على الحلول الوسط والبقاء المتبادل، ولكن عندما تصبح المخاطر كونية، لا تعود التسوية تكتيكاً، بل خيانة. ففي العقلية الأخروية، لا تُعد معاهدة السلام نجاحاً، بل تأخيراً للنصر الإلهي الحتمي؛ إذ لا تبحث عن أرضية مشتركة مع “الدجال”، بل تبحث عن سحقه التام.

  • تأثير المرآة: يزدهر الفكر الملاحمي و النزعة الأخروية من خلال التعزيز المتبادل؛ فعندما يستخدم المتشددون الأمريكيون لغة “تدمير أعداء الله”، فإنهم يقدمون الدليل القاطع للمتشددين في العالم الإسلامي على أن “الملاحم” قد بدأت. ويتحول الأمر إلى نبوءة تحقق ذاتها، وحلقة مُفرغة حيث يُفسر كل صاروخ يُطلق كإشارة سماوية في قائمة مهام كونية.

  • فقدان الإرادة البشرية: يكمن خطر جسيم في التخلي عن المسؤولية؛ فعندما يقنع القادة أنفسهم بأنهم مجرد منفذين لنص سماوي، فإنهم يتجاهلون حقيقة مظلمة، وهي أنهم المؤلفون الأساسيون للكارثة ذاتها التي يسعون لنسبها إلى الله. ويصبح من الأسهل تبرير سياسة الأرض المحروقة عندما تعتقد أنك مجرد ممسك بالقلم نيابة عن الإله. وإذا كانت الحرب “بتكليف إلهي”، فإن التكلفة البشرية تُعاد صياغتها كمجرد خطوة ضرورية نحو نهاية مجيدة.

الثمن الباهظ للحتمية اللاهوتية

نشهد حالياً دخول مصطلحات مثل “المختار” و”الخطة الإلهية” في المعجم الرسمي لصراع عام 2026، وهذا يمثل انتقالاً من الاستراتيجية السياسية إلى الحتمية اللاهوتية.

والمأساة تكمن في أنه من خلال التعامل مع نهاية العالم كخارطة طريق، فإننا نبني تلك الوجهة فعلياً. يسارع كلا الجانبين لاستقبال “جالب السلام” من خلال تمهيد الطريق بعنفٍ كافٍ لتشويه صورة الإله الذي يدّعون خدمته. إننا نكتب مأساة ونُلقي باللوم على الإلهام الإلهي.

إن درس التاريخ ثابت بشكل لافت، وإن جرى تجاهله غالباً، وهو أنه عندما يتم تجنيد الآلهة في حروب البشر، فإن البشر هم من يعانون، بينما تظل الآلهة صامتة. إذا أردنا تجنب كارثة من صنع الإنسان ذات أبعاد كارثية، فإن العودة إلى منطق السياسة الواقعية مهما كانت عيوبها لم تعد مجرد تفضيل، بل ضرورة للبقاء.

Bibliography